مسألة علمية العلوم الإنسانية

 

1 ـ موضعة الظاهرة الإنسانية

2 ـ  الفهم ولاتغسير في العلوم الإنسانية

3 ـ  نموذجية العلوم التجريبية

    طباعة impression

 

 لقد جاءت العلوم الإنسانية متأخرة النشأة قياسا بالعلوم الدقيقة، كما جاءت تلك النشأة، كنتيجة لما بدأت المجتمعات الحديثة تعرفه من قضايا نفسية واجتماعية جديدة ارتبطت بتطورها السريع.. هكذا أصبحت هذه العلوم تسعى إلى تحويل الإنسان إلى ظاهرة قابلة للدراسة العلمية الموضوعية. إلا أن تميز الإنسان واختلافه عن الظواهر الطبيعة جعل العلوم الإنسانية تعرف مشاكل إبيستيمولوجية من نوع خاص، ومن ثم بدأ العلماء يتساءلون حول مدى قدرة هذه العلوم على بلوغ دقة العلوم الطبيعية. لذا بدأ التحليل الإبيستيمولوجي يحاول المساهمة في حل القضايا ومعالجة الإشكاليات خصوصا منها تلك التي تربط بالمنهاج..

وحتى نتمكن من الوقوف على بعض الإشكاليات المرتبطة بالعلوم الإنسانية، سنحاول الاهتداء بالتساؤلات التالية: هل الظاهرة الإنسانية قابلة للدراسة العلمية الموضوعية؟ ما هي قدرة العلوم الإنسانية على فهم وتفسير الظواهر الإنسانية؟ هل يجب أن تؤسس العلوم الإنسانية نفسها ضرورة على نموذج العلوم الطبيعية؟

 

1. موضعة الظاهرة الإنسانية

 

يعتقد جان بياجي P. Piaget أن إشكالية موضعة الظاهرة الإنسانية جد معقدة نظرا لطبيعة العلاقة التي تربط الذات بالموضوع. فالذات التي تجرب على نفسها وعلى الغير تتغير نتيجة لما لاحظته، وما قامت بتجربته، كما تعمل على التأثير فيما تدرسه وتغير من مجراه ومن طبيعته. وهذا نموذج من الإشكاليات لا تعرفه العلوم الطبيعية، ففي هذه العلوم يستطيع العالم أن يميز نفسه عن الظاهرة المدروسة. أما في العلوم الإنسانية فإن إشكالية العلمية تظل قائمة لاعتبارين هما:

  • عدم الوضوح الكافي للحدود الفاصلة بين الذات والموضوع.

  • اعتقاد العالم بأنه يملك قبليات معرفية تجعله قادرا على الاستغناء عن التقنيات العلمية.

انطلاقا مما سبق يتبين أن إشكالية العلمية في العلوم الإنسانية تتحدد أساسا في التداخل بين الذات والموضوع الذي يشكل عائقا مركزيا يحول دون قدرة هذه العلوم على موضعة الظاهرة الإنسانية بشكل دقيق، الأمر الذي يسمح لجان بياجي بالتأكيد أن الباحثين في العلوم الإنسانية ينطلقون من خلفيات فلسفية وأيديولوجية.

وفي المقابل، يحاول فرانسوا باستيان F. Bastian أن يقلل من أهمية التداخل بين الذات والموضوع في العلوم الإنسانية، حيث يبين أن طبيعة الظاهرة المدروسة تحتم انخراط العالم في مجتمعه، ومن ثم يتبين أن الانفصال الذات والموضوع أمرا غير قائم حتى لو أراد العالم ذلك.. إن هذا ما يفسر، في اعتقاد باستيان، لماذا ركز رواد العلوم الاجتماعية على ضرورة تحقيق هذا التباعد وبالتالي أهمية اتخاذ مسافة بين العالم والمجتمع. هكذا دعى دوركايم Durkheim، مثلا، إلى ضرورة اعتبار "الظواهر الاجتماعية بمثابة أشياء"، كما أكد ماكس فييبر M. Weber على ضرور التمييز في المنظومة القيمية بين ما هو محلي وما هو كوني..

مما تقدم يتبين أن إشكالية موضعة الظاهرة الإنسانية، إشكالية إبيستيمولوجية، تتمركز أساسا حول التداخل الموجود بين الذات والموضوع، الأمر الذي ينفتح على التساؤل حول نوعية الوظائف العلمية التي تضطلع بها هذه العلوم الإنسانية، وما هي قدرتها على فهم الظواهر وتفسيرها؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2. الفهم والتفسير في العلوم الإنسانية

 

يعتقد ليفي ستروس Lévi-Strauss أن العلوم الطبيعية علوم تفسيرية وتنبئية على الرغم من الصعوبات التي تطرحها العلاقة الموجودة بين الوظيفتين. لكن الأمر يختلف فيما يخص العلوم الإنسانية، لأن هذه العلوم لا تقدم سوى تصورات فضفاضة. وعلى الرغم من أنها علوم مهيأة في الأصل لكي تقوم بوظائف تنبئية إلا أن تنبؤاتها غالبا ما تكون خاطئة.

لهذا يرى ليفي ستروس أن العلوم الإنسانية تتموقع في الحقيقة بين التفسير والتنبؤ، وهذا لا يعني أن هذه العلوم غير ذات أهمية لأنها قادرة على أن تقدم للممارسين نوعا من الحكمة التي تتأرجع بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة..

أما فيلهلم دلتاي Wilhelm Dilthey فله تصور مغاير تماما، حيث ينطلق من التمييز الميتودولوجي بين مساري كل من العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. فإذا كانت الأخيرة تنظر إلى موضوعها باعتباره ظواهر خارجية ومعزولة؛ فإن العكس هو الذي يجب أن يحدث في العلوم الإنسانية، لأنه يجب أن نتمثل الحياة النفسية كوجود أولي وأساسي موجود في كل مكان. ومن ثم، تصبح العلوم الإنسانية وسيلة لفهم الحياة باعتبارها كلا معطى في التجربة الداخلية.. لذا أصبح من الضروري أن تختلف المناهج التي تعتمدها العلوم الإنسانية عن تلك المعتمدة في العلوم الطبيعية.

إن ما أكده دلتاي يدفع إلى طرح التساؤل التالي: هل يمكن للعلوم الإنسانية الاستغناء عن نموذجية العلوم التجريبية؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3. نموذجية العلوم التجريبية

 

تتوقف علمية العلوم الإنسانية في نظر الباحثين لابورت-تولرا ووارنيي ( Laburthe-Tolra et Warnier ) على إدراك أن هذه العلوم تفترض أن تكون الذات هي نفسها الموضوع المدروس علاوة على أن العالم يعتبر طرفا وحكما في نفس الوقت، إلا أن ذلك لا يجب أن يؤثر في النظرة إلى القيمة العلمية لهذه العلوم، لأن الغاية الإبيستيمولوجية لإبراز التداخل الموجود بين الذات والموضوع يتحدد أساسا في تسطير الشروط المنهجية التي يجب اعتمادها والتي يجب أن تتوفر في العلوم الإنسانية. بل من المؤكد أن الفيزياء المعاصرة تعرف نفس الإشكاليات، مما جعلها تأخذ بعين الاعتبار تدخل الملاحظ في بناء الظاهرة مما يؤكد غياب القطيعة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية..

أما الفيلسوف ميرلوبونتي Merleau-Ponty فينظر إلى العلم باعتباره مجرد معرفة بعدية تأتي بعد حقيقة العالم المعيش الذي يعبر عن التجربة الأساسية للوجود الإنساني. ومن ثم، لا يجب أن ننظر إلى الإنسان باعتباره موضوعا لعلوم طبيعية أو إنسانية. فالذات الإنسانية تمثل المصدر الحقيقي للعالم المادي، فلولا وجود الذات لما كان للعالم أبعاد ولا جهات.. ومن ثم فالواقع يوجد انطلاقا من الذات ومن أجلها..

كتخريج عام، يتأكد أن إشكالية النموذجية التي يطرحها وجود العلوم الطبيعية، إشكالية ساعدت العلوم الإنسانية في البحث على تطوير نفسها وبالتالي البحث عن مناهج تتميز عن المنهاج التجريبي. وهكذا تظل الإشكاليات المطروحة ليس بالضرورة تشكيكا في القيمة العلمية لهذه العلوم، وإنما يتعلق الأمر بنقاش إبيستيمولوجي من شأنه أن يغني العلوم الإنسانية، ويدفع بها إلى تتوخى الدقة من خلال إدراك خصوصيات الموضوع المدروس. لأن جميع الصعوبات تتمثل في طبيعة الظاهرة الإنسانية باعتبارها ظاهرة معقدة، متغيرة، وواعية علما بأن الدارس هو من نفس طينة الموضوع المدروس.

 

إعداد محمد باداج

© جميع الحقوق محفوظة
لا يجوز استعمال هذا الدرس إلا لأغراض تربوية
لا يجوز نقل الدرس  إلى موقع إنترنيت آخر دون إذن من صاحب هذا الموقع

http://minbar.o-n.fr